*﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾*
*اللَّهُمَّ احرُسْنا بِعَينِكَ الَّتي لا تَنامُ، وَاكنُفْنا بِرُكنِكَ الَّذي لا يُضامُ، رَبّنا لا نَهْلِكُ وأَنتَ الرَّجاءُ، اللَّهُمَّ أنتَ أعَزُّ وأَكبَرُ مِمّا نَخَافُ ونحذَرُ*
🍀🪷🍀
*(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)*
قال تعالى: *فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴿الأنعام: 44﴾*
*تكشف* الآية الكريمة عن سُنَّةٍ ربّانية ثابتة في التعامل مع الأمم والإمبراطوريات حين تُعرِض عن الهدى والعدل، وتسترسل في الغفلة، والضلال، والظلم، وتعتدّ بقوتها وقدراتها المادية التي غالبًا ما تكون خادعة، بل تتحول إلى كمين تُستدرَج إليه قبل أن يؤول أمرها إلى الانهيار والاضمحلال.
*الآيات* التي سبقت هذه الآية تشير إلى ما تمرّ به الأمم من أطوار ومراحل من ضيق وسَعة، وعُسر ويُسر، وحروب وصراعات، وكلها ينبغي أن تدعوها إلى صحوة ضمير، وعودة إلى الله تعالى، واجتناب الظلم، والدعوة إلى العدل والعمل به. ولكن الأمم الظالمة لا ترتدع ولا ترعوي، بل تذهب بعيدًا في طغيانها وظلمها، متوهّمة أنها قادرة على تحقيق المزيد من الإنجازات، متجاهلة كلَّ المعايير الأخلاقية والإنسانية.
*وعندما* تصل الأمم الظالمة إلى هذا الطور تتوسّع اقتصاديًا، وتتضاعف مواردها وإمكاناتها، لكن ذلك ليس من باب النعمة المُستحقّة، ولا هو كرامة من الله، بل استدراج إلى كمينٍ تسقط فيه تلك الأمم، فتكون كلما حازت مزيدًا من الإمكانات جاريةً إلى نهايتها من حيث لا تريد.
*تُصوّر* هذه الحالة بدقةٍ قوله تعالى: *﴿حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾*؛ فالفرح هنا ليس الفرح المشروع بنعمة الله، بل هو فرح البَطَر المصحوب بالغرور، حيث يظنّ هؤلاء أنهم جديرون بتلك النعم، وأن ذلك دليلٌ على ذكائهم ونجاحهم، كما كانت قناعة قارون إذ قال: *إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴿القصص:78﴾*.
*فإذا* بلغوا ذلك، بلغوا الطور النهائي لهم، طور السقوط والانهيار. وقد عبّر الله عن ذلك بتعبير بليغ جدًّا حيث قال: *﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾*، وذلك يعني أن سقوطهم كان بمشيئة الله، باعتبار أنه تعالى هو الذي جعل تلك السُّنَّة تجري عندما تتكامل جميع أسبابها وظروفها. والتعبير "بـالأخذ" يفيد ذلك، ويفيد أيضًا أن سقوطهم عقابٌ مفاجئ لا يُمْهَلُ فيه الطرفُ المُستدرَج، و"البغتة" تفيد الصدمة؛ أي إن التحوّل من الرفاه إلى العذاب، ومن القوة إلى الضعف، ومن الهيمنة إلى السقوط، يأتي بشكل غير متوقَّع، وفي ذروة الاطمئنان.
*والجملة* الأخيرة من الآية الكريمة: *﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾* تفيد أن سقوط تلك الأمم والإمبراطوريات سقوطٌ نهائي لا رجعة بعده إلى القوة والقدرة، لأن الإبلاس يعني اليأس التام، وفقدان الأمل، والذهول العام، حين تنكشف لهم الحقيقة، وأن قوتهم لم تكن إلا استدراجًا لهم إلى حتفهم.
*وعليه* فنحن أمام دورة حضارية تذكرها هذه الآية وما سبقها، وهي دورة تتكرر في كل الأمم: تبدأ من تلقي الهداية من الله، حيث «لكل قومٍ هادٍ»، تليها مرحلة الإعراض وموت الضمير الأخلاقي، يعقب ذلك مرحلة الفتح المادي وتعاظم القدرة، فينتج عن ذلك الغرور والبطر والاستعلاء والغفلة، ثم ينتهي بها الحال إلى السقوط المفاجئ.
*نستنتج* مما سبق أن فائض القوة مع استخدامها في الظلم لا يُعَدّ قوةً حقيقية، ولا هو نعمة، بل يأتي في سياق الاستدراج الإلهي الذي ينتهي بالعقاب المفاجئ الذي يدمّر كل شيء. وهذا يدعونا إلى الحذر من البطر والغرور، ومراقبة أنفسنا دائمًا حال النعمة والقوة، والحرص الشديد على الالتزام بشريعة الله والقيم الأخلاقية السامية.
✍ السيد بلال وهبي