*﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾*
*اللَّهُمَّ كُفَّ عَنَّا بَأْسَ أَعْدائِنا وَمَنْ أَرادَنا بِسُوءٍ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ، وَأَعْمِ أَبْصارَهُمْ وَقُلُوبَهُمْ، وَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ حِجابًا وَحَرَسًا وَمَدْفَعًا، إِنَّكَ رَبُّنا، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ لَنا إِلَّا بِاللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْهِ أَنَبْنا، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.*
🌳🌸🌳
*(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)*
قال تعالى: *وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿النور: 55﴾*
*ذلك* وعد الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات، ووعده آتٍ لا ريب فيه، لا لأنه لا يُخلِف الميعاد وحسب، بل لأن مسار خلافة الإنسان عن الله في الأرض يجب أن يبلغ غايته الكبرى وتتمثل في تمكين الدين الذي ارتضاه طريقًا وحيدًا لتكامل الإنسان وارتقائه المعنوي والمادي، وقد بدأ هذا المسار من لدن أبي البشرية آدم (ع) وقام الرُسُل والأنبياء والمؤمنون بدورهم فيه وستقوم الأجيال المؤمنة القادمة بدورها فيه حتى يُمَكِّن الله لدينه في الأرض كلها، فيأمن الناس على دينهم وقيمهم وعلى مجمل حياتهم.
*والحياة* في الأرض قائمة على التدافع بين الخير والشر، والصراع بين أهل الحق وأهل الباطل، والإيمان والكفر، والمظلومين والظالمين، ولقد كان المبطلون الكافرون الظالمون أكثر عددًا وعُدّةً على طول الخط، إذ البشر رغم أنهم مولودون على الفطرة التي تتوجه بهم إلى الله والحق والعدل، إلا أن نفوسهم نهمَة شرِهة، ميَّالة إلى التفلُّت من الضوابط الشرعية القانونية، متّبعة أهواءها وشهواتها، مما يستدعي نشوب هذا الصراع المتواصل، بين أهل الخير القليلين والأشرار الكثيرين عددًا وعدة.
*المؤمنون* في صراعهم مع الأشرار والكفّار والطغاة قد يقعون تحت ضغط نفسي قاسٍ بسبب ما يثيره أعداؤهم من مشاكل لهم، وما يضعونه من عراقيل في طريقهم، الأمر الذي يعيق تقدمهم في اتجاه الوصول إلى تحكيم الإيمان في حركة الحياة، والإيمان هو الذي يتحقق به الاستخلاف في الأرض، إذ به يرتبط الإنسان بالله تعالى، وبه وعلى هديه ينتظم ارتباطه بسائر الخلق، فالإيمان يستغرق النشاط الإنساني كله، يستغرق الإنسان كله، بخواطر نفسه، وخلجات قلبه، وعواطفه ومشاعره، وميول فطرته، وحركات جسمه، ولفتات جوارحه، فإذا حال الكافرون الظالمون بين المؤمنين وبين تحكيمهم الإيمان في حياتهم، فقد يقودهم أو يقود البعض منهم إلى اليأس.
*في* هذا السياق تأتي الآية الكريمة لتقطع لهم وعدًا بالتمكين المستقر الشامل في الأرض، وليستخلفهم الله فيها بعد أن تنتهي الحضارات المنحرفة، والدول الجائرة، وتُزال من أمامهم كل العقبات.
*ومِمّا* لا شك فيه أن تحقق الوعد الإلهي لهم لا يتحقق من طريق إعجازي، بل يتحقق في إطار سُنن الله تعالى الجارية في كل حركة إصلاحية في الحياة الإنسانية، وهي أي تلك السنن مشروطة بأن يقوموا هم بوظيفتهم في إطارها، فلا يتحقق لهم وعد الله من دون سعي منهم، وإعدادٍ، وأخذٍ بالأسباب، وفهم لطبيعة الصراع بين الحق والباطل، ومعرفة الباطل وأهله، ومعرفة أدواتهم وأساليبهم، ومواجهتهم، فالتمكين لا يأتي سهلًا يسيرًا من دون جهد وتعب، وقوة مادية وروحية عالية، وهذا ما تختصره جملة *"الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ"* فقد بدأت الآية الكريمة بهذه الجملة بعد الوعد مباشرة، للتنبيه إلى أن الوعد بالاستخلاف والتمكين في الأرض مشروطٌ بالإيمان والعمل الصالح، ومن منظور القرآن الكريم لا يكون عمل صالح إلا إذا نشأ من الإيمان الحق.
*وأُلفِت* نظرك -قارئي الكريم- إلى أن الآية الكريمة وإن كان مصداقها الأمثل ذلك التمكين النهائي الذي يتحقّق على يد الإمام محمد بن الحسن المهدي (عجل الله تعالى فرجه)، حيث ينبسط القسط والعدل في جميع أرجاء الكرة الأرضية، لكن في طول هذا التمكين يكون تمكينٌ لكل جماعة مؤمنة توفَّرت على الشرطين المذكورين: (الإيمان الحق، والعمل الصالح) ذلك أن الاستخلاف والتمكين الذين يَعِدُ الله به المؤمنين ليس مجرد انتقالٍ للسلطة من يدٍ إلى يد، ولا مجرّد غلبة سياسية عابرة في لحظة من لحظات التاريخ، بل هو تحوُّل حضاري وأخلاقي وروحي شامل، ينتقل فيه الإنسان من العبودية للطغيان والأهواء إلى العبودية لله وحده، ومن حكم المصالح الجائرة إلى حكم القيم الإلهية العادلة، فالغاية هي إقامة الدين الحق في حركة الحياة، بحيث يصبح الإيمان هو الروح التي تسري في المجتمع الإنساني كله، في الأخلاق، والسياسة، والاقتصاد، والعلاقات، والقضاء، وسائر شؤون الحياة.
*ومن* هنا فإن القرآن يُلفِت أنظارنا إلى أن التمكين الحقيقي لا يُقاس فقط بامتلاك أدوات القوة المادية، بل بمدى حضور القيم الإلهية في واقعنا، فقد تمتلك أمةٌ أسباب القوة المادية، لكنها إذا كانت خالية من الإيمان والعدل، وفاقدةً للبوصلة الأخلاقية، فإن قوتها تتحول إلى عامل هدمٍ لذاتها، لا إلى سبب لتمكينها، ولهذا كثيرًا ما قامت في التاريخ دولٌ عظيمة البنيان، قوية السلطان، لكنها كانت ظالمة طاغية، فانهارت رغم ما امتلكته من أسباب القوة والبطش والمنعة، بينما بقيت جماعات مؤمنة ضعيفة العدد والعُدّة قادرةً على الصمود والاستمرار، لأن عنصر البقاء الحقيقي كان حيًّا فيها، وهو الاتصال بالله والحق.
✍ *السيد بلال وهبي*
فجر يوم الثلاثاء الواقع في: 2/6/2026 الساعة (04:07)